الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
202
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حركات تموجية فيصعد جزء منها إلى ما فوقها من الطبقات وهكذا . . فتكون كل طبقة أكثف من التي تحتها . فإذا انعكس على تلك الأشعة نور الجو من قرب طلوع الشمس إلى بقية النهار تكيّفت تلك الأشعة بلون الماء . ففي أول ظهور النور يلوح السراب كأنه الماء الراكد أو البحر وكلما اشتد الضياء ظهر في السراب ترقرق كأنه ماء جار . ثم قد يطلق السراب على هذا الهواء المتموج في سائر النهار من الغدوة إلى العصر . وقد يخص ما بين أول النهار إلى الضحى باسم الآل ثم سراب . وعلى هذا قول أكثر أهل اللغة والعرب يتسامحون في إطلاق أحد اللفظين مكان الآخر ، وقد شاهدته في شهر نوفمبر فيما بين الفجر وطلوع الشمس بمقربة من موضع يقال له : أم العرائس من جهات توزر ، وأنا في قطار السكة الحديدية فخلت في أول النظر أنا أشرفنا على بحر . وقوله : بِقِيعَةٍ الباء بمعنى في . و ( قيعة ) أرض ، والجار والمجرور وصف لسراب وهو وصف كاشف لأن السراب لا يتكون إلا في قيعة . وهذا كقولهم في المثل للذليل « هو فقع في قرقر » فإن الفقع لا ينبت إلا في قرقر . والقيعة : الأرض المنبسطة ليس فيها ربّى ويرادفها القاعة . وقيل قيعة جمع قاع مثل جيرة جمع جار ، ولعله غلب لفظ الجمع فيه حتى ساوى المفرد . وقوله : يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً يفيد وجه الشبه ويتضمن أحد أركان التمثيل وهو الرجل العطشان وهو مشابه الكافر صاحب العمل . و حَتَّى ابتدائية فهي بمعنى فاء التفريع . ومجيء الظمآن إلى السراب يحصل بوصوله إلى مسافة كان يقدرها مبدأ الماء بحسب مرأى تخيله ، كأن يحدده بشجرة أو صخرة . فلما بلغ إلى حيث توهم وجود الماء لم يجد الماء فتحقق أن ما لاح له سراب . فهذا معنى قوله : حَتَّى إِذا جاءَهُ ، أي إذا جاء الموضع الذي تخيّل أنه إن وصل إليه يجد ماء . وإلا فإن السراب لا يزال يلوح له على بعد كلما تقدم السائر في سيره . فضرب ذلك مثلا لقرب زمن إفضاء الكافر إلى عمله وقت موته حين يرى مقعده أو في وقت الحشر . وقوله : لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً أي لم يجد ما كان يخيل إلى عينه أنه ماء لم يجده شيئا . والشيء : هو الموجود وجودا معلوما للناس ، والسراب موجود ومرئي ، فقوله : شَيْئاً أي شيئا من ماء بقرينة المقام . وهذا التمثيل كقوله تعالى : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا